علم الإحصائيات المتقدمة (Expected Goals - xG): كيف غيرت الأرقام لغة تحليل كرة القدم؟
لفترة طويلة، كان تحليل كرة القدم يعتمد بشكل كبير على الأهداف والنتائج والاستحواذ وعدد التسديدات.
إذا سجل فريق ثلاثة أهداف، فقد يبدو من الطبيعي القول إنه كان الفريق الأفضل.
لكن كرة القدم أكثر تعقيدًا من ذلك.
قد يفوز فريق بمباراة رغم أنه حصل على فرص قليلة، بينما يسيطر فريق آخر على اللقاء ويصنع العديد من الفرص الخطيرة لكنه يخسر بسبب سوء الحظ أو تألق حارس المرمى.
هنا ظهرت الإحصائيات المتقدمة في كرة القدم، وأصبح من الممكن تحليل المباراة بطريقة أكثر عمقًا من مجرد النظر إلى النتيجة.
ومن أشهر هذه الإحصائيات وأكثرها استخدامًا اليوم:
Expected Goals - xG أو الأهداف المتوقعة.
فما هو xG؟ وكيف يتم حسابه؟ وهل يمكن أن يخبرنا من كان يستحق الفوز؟ ولماذا أصبح هذا الرقم جزءًا أساسيًا من لغة تحليل كرة القدم الحديثة؟
ما هو Expected Goals - xG؟
Expected Goals أو xG هو مقياس إحصائي يستخدم لتقدير مدى احتمالية تحول فرصة معينة إلى هدف.
بمعنى بسيط، يحاول xG الإجابة عن سؤال:
ما احتمال أن تتحول هذه الفرصة إلى هدف؟
كل تسديدة تحصل على قيمة xG تتراوح عادة بين 0 و1.
فإذا كانت قيمة التسديدة:
0.10 xG
فهذا يعني أن فرصة مشابهة، وفق النموذج الإحصائي المستخدم، تتحول إلى هدف في نحو 10% من الحالات.
أما فرصة قيمتها:
0.80 xG
فتعتبر فرصة عالية الجودة، لأن فرصًا مشابهة تنتهي بهدف في نسبة كبيرة من الحالات.
كيف يتم حساب الأهداف المتوقعة xG؟
لا يتم حساب xG من خلال النظر إلى مكان التسديدة فقط.
تعتمد نماذج xG المختلفة على مجموعة من العوامل، وقد تختلف هذه العوامل من مزود إحصائي إلى آخر.
ومن أهم المعلومات التي يمكن أن تدخل في النموذج:
موقع التسديدة
كلما اقترب اللاعب من المرمى، ترتفع احتمالية التسجيل بشكل عام.
لكن المسافة وحدها لا تكفي.
زاوية التسديد
التسديد من أمام المرمى مباشرة يختلف تمامًا عن التسديد من زاوية ضيقة.
لذلك تؤثر زاوية التسديدة على قيمة xG.
نوع الفرصة
هناك فرق بين:
تسديدة من اللعب المفتوح.
ركلة جزاء.
ضربة رأس.
تسديدة بعد تمريرة عرضية.
تسديدة بعد تمريرة بينية.
كل نوع من هذه الفرص يمتلك احتمالية مختلفة للتسجيل.
طريقة صناعة الفرصة
قد تؤثر الطريقة التي وصلت بها الكرة إلى المهاجم في تقييم الفرصة.
فتمريرة عرضية قريبة من المرمى تختلف عن تمريرة تخترق خط الدفاع وتضع المهاجم في مواجهة مباشرة مع الحارس.
موقع حارس المرمى
في بعض نماذج xG المتقدمة، يمكن أن تؤخذ معلومات إضافية مرتبطة بموقع الحارس أو طبيعة الفرصة بعين الاعتبار.
ولهذا فإن xG ليس مجرد قياس لعدد التسديدات.
إنه محاولة لتقييم جودة الفرص.
لماذا لا يكفي عدد التسديدات؟
تخيل مباراة انتهت بفوز فريق "أ" على فريق "ب" بنتيجة 1-0.
الفريق "أ" سدد 15 مرة.
الفريق "ب" سدد 5 مرات.
من النظرة الأولى، يبدو أن الفريق "أ" كان أفضل.
لكن ماذا لو كانت معظم تسديداته من خارج منطقة الجزاء؟
وفي المقابل، حصل الفريق "ب" على خمس فرص، من بينها فرصتان أمام المرمى مباشرة؟
هنا يصبح عدد التسديدات مضللًا.
قد تكون النتيجة:
الفريق أ: 15 تسديدة – 0.70 xG
الفريق ب: 5 تسديدات – 1.60 xG
في هذه الحالة، الأرقام تخبرنا أن الفريق "ب" صنع فرصًا أقل عددًا، لكنها كانت أعلى جودة.
وهذه إحدى أهم الأفكار التي غيرت طريقة تحليل المباريات.
xG مقابل الأهداف الفعلية
من المهم جدًا فهم الفرق بين الرقمين.
الأهداف الفعلية تخبرنا بما حدث.
أما xG فيحاول أن يخبرنا بجودة الفرص التي صنعتها الفرق.
إذا سجل فريق هدفين من فرص بلغت قيمتها الإجمالية 0.70 xG، فهذا قد يشير إلى كفاءة عالية في الإنهاء.
أما إذا سجل فريق هدفًا واحدًا من فرص بلغ مجموعها 3.00 xG، فقد يكون هناك فارق كبير بين جودة الفرص والنتيجة النهائية.
وهنا تظهر قيمة الإحصائيات المتقدمة.
ماذا يخبرنا xG عن أداء الفريق؟
يمكن استخدام xG لتحليل جوانب مختلفة من أداء الفريق.
تقييم جودة صناعة الفرص
إذا كان الفريق يحقق xG مرتفعًا بشكل مستمر، فهذا يعني غالبًا أنه يصل إلى مناطق خطيرة ويصنع فرصًا جيدة.
تقييم جودة الفرص التي يسمح بها
يمكن أيضًا استخدام xG الخاص بالمنافس لمعرفة جودة الفرص التي يسمح بها الفريق.
وهنا يظهر مفهوم مهم:
xGA - Expected Goals Against
وهو مقياس يشير إلى قيمة الأهداف المتوقعة للفرص التي صنعها المنافس.
فريق يمتلك:
xG مرتفع + xGA منخفض
قد يكون أكثر توازنًا من فريق يسجل كثيرًا لكنه يسمح بفرص خطيرة باستمرار.
ما هو xG Difference؟
يمكن أيضًا مقارنة xG الذي يصنعه الفريق مع xG الذي يسمح به.
بشكل مبسط:
xG للفريق - xGA للمنافس = مؤشر على التفوق في جودة الفرص
إذا كان الفارق إيجابيًا بشكل واضح، فهذا يعني أن الفريق يصنع فرصًا أفضل وأكثر من تلك التي يسمح بها.
وهذه الأرقام يمكن أن تساعد المحللين في تقييم مستوى الفريق بعيدًا عن النتيجة فقط.
هل xG يتنبأ بنتيجة المباراة؟
هنا يجب الحذر.
xG ليس كرة بلورية للتنبؤ بالنتيجة.
إذا حصل فريق على 2.5 xG، فهذا لا يعني أنه سيحرز 2.5 هدف.
قد يسجل:
0 أو 1 أو 2 أو 4 أهداف.
لأن كرة القدم تعتمد على الاحتمالات، وهناك عوامل كثيرة لا يمكن اختزالها في رقم واحد.
لكن xG يصبح أكثر فائدة عندما نستخدمه على عدد كبير من المباريات بدلًا من الاعتماد على مباراة واحدة فقط.
لماذا أصبح xG مهمًا للمدربين والمحللين؟
الإحصائيات المتقدمة تمنح المدرب والمحلل طريقة مختلفة للنظر إلى المباراة.
بدلًا من السؤال:
من فاز؟
يمكن طرح أسئلة أكثر عمقًا:
من صنع الفرص الأفضل؟
أين جاءت الفرص؟
هل الفريق يسدد من مناطق خطيرة؟
هل الدفاع يسمح بفرص سهلة؟
هل النتائج تتوافق مع مستوى الأداء؟
هل المهاجم يسجل أكثر من المتوقع؟
هل الفريق يعتمد على الحظ أم يصنع فرصًا حقيقية؟
هذه الأسئلة تساعد في بناء صورة أكثر شمولًا عن أداء الفريق.
xG وتحليل المهاجمين
لا يقتصر استخدام الأهداف المتوقعة على تحليل الفرق.
يمكن استخدامه أيضًا لتقييم المهاجمين.
فمثلًا، إذا حصل مهاجم على:
20.0 xG
وسجل:
27 هدفًا
فهذا يعني أنه سجل أهدافًا أكثر من القيمة المتوقعة لفرصه.
وقد يشير ذلك إلى جودة استثنائية في الإنهاء، مع ضرورة مراعاة طبيعة النموذج والعينة الزمنية.
أما إذا حصل مهاجم على:
20.0 xG
وسجل:
12 هدفًا
فهناك فارق كبير بين الفرص التي حصل عليها والأهداف التي سجلها.
لكن لا يعني ذلك تلقائيًا أنه مهاجم سيئ.
قد يكون اللاعب في فترة مؤقتة من سوء الحظ، أو قد تكون هناك عوامل أخرى يجب تحليلها.
الفرق بين صناعة الفرص وإنهائها
هذه نقطة مهمة جدًا في تحليل xG.
قد يكون المهاجم ممتازًا في الوصول إلى الفرص لكنه أقل كفاءة في إنهائها.
وقد يكون مهاجم آخر يحصل على فرص قليلة لكنه يمتلك قدرة استثنائية على تحويلها إلى أهداف.
لذلك يمكن أن تساعد مقارنة xG مع الأهداف الفعلية في فهم الفرق بين:
جودة الفرص
و
جودة الإنهاء.
لكن لا ينبغي إصدار حكم نهائي على اللاعب من خلال هذه المقارنة وحدها.
xA: الوجه الآخر لصناعة الأهداف
إذا كان xG يهتم بجودة الفرص التي تنتهي بالتسديد، فإن هناك إحصائية أخرى تهتم بالتمريرات التي تصنع تلك الفرص.
وهي:
Expected Assists - xA
أو التمريرات الحاسمة المتوقعة.
يحاول xA قياس مدى جودة الفرص التي يصنعها اللاعب لزملائه من خلال تمريراته.
وهذا يسمح للمحللين بتقييم صانع الألعاب حتى عندما لا تنتهي تمريراته إلى أهداف فعلية.
هل كل نماذج xG متشابهة؟
لا.
وهذه نقطة يجب أن يعرفها أي شخص يستخدم الإحصائيات المتقدمة.
هناك شركات ومزودون مختلفون للبيانات، وقد تستخدم كل جهة نموذجًا مختلفًا لحساب xG.
قد يركز نموذج على موقع التسديدة وزاويتها.
وقد يضيف نموذج آخر نوع التمريرة أو وضعية اللعب أو معلومات إضافية عن المدافعين والحارس.
لذلك قد نجد أن تسديدة واحدة تحصل على:
0.30 xG
في نموذج معين، بينما تحصل على قيمة مختلفة في نموذج آخر.
وهذا لا يعني بالضرورة أن أحد النموذجين خاطئ.
بل يعني أن طريقة بناء النموذج تختلف.
ما هي حدود إحصائية xG؟
رغم أهميتها، فإن xG ليست إحصائية كاملة.
xG لا يرى كل شيء
قد لا يعكس الرقم جميع التفاصيل الموجودة في الملعب.
مثل:
جودة المدافع الذي يضغط على المهاجم.
الحالة النفسية للاعب.
مستوى الثقة.
التعب.
قرارات الحكم.
ظروف المباراة.
النتيجة لا تعتمد على xG فقط
الفريق قد يصنع فرصًا أقل لكنه يفوز بسبب الكفاءة العالية.
وهذا جزء طبيعي من كرة القدم.
النماذج تختلف
كما ذكرنا، تختلف طريقة حساب xG بين مزودي البيانات.
لذلك يجب معرفة مصدر الرقم قبل مقارنته بأرقام من مصدر آخر.
لماذا يستخدم المحللون xG على مدى طويل؟
لأن مباراة واحدة يمكن أن تكون مضللة.
قد يسدد فريق عشرين مرة في مباراة واحدة دون تسجيل هدف.
وقد يفوز في المباراة التالية بثلاثة أهداف من أربع تسديدات.
لذلك تصبح الإحصائيات أكثر قيمة عندما يتم تحليلها عبر:
عدة مباريات.
موسم كامل.
فترات زمنية مختلفة.
مباريات داخل وخارج الأرض.
مستويات مختلفة من المنافسة.
كلما كبرت العينة، أصبح من الأسهل اكتشاف الأنماط.
كيف غيّر xG لغة كرة القدم؟
قبل انتشار الإحصائيات المتقدمة، كان التحليل يعتمد بدرجة كبيرة على العين والخبرة.
أما اليوم، فأصبح المحلل يستطيع الجمع بين:
المشاهدة + البيانات + الفيديو + السياق التكتيكي.
وهذا أدى إلى ظهور لغة جديدة في تحليل كرة القدم.
لم يعد الحديث فقط عن:
"الفريق سدد كثيرًا."
بل أصبح الحديث عن:
"الفريق سدد كثيرًا، لكن معظم التسديدات جاءت من مناطق منخفضة الجودة."
ولم يعد الحكم فقط:
"المهاجم أهدر فرصًا."
بل يمكن تحليل:
"المهاجم حصل على فرص عالية الجودة لكنه سجل أقل من المتوقع."
وهكذا تحولت الأرقام من مجرد معلومات إضافية إلى أداة لفهم المباراة.
هل xG يعني أن الأرقام أهم من مشاهدة المباراة؟
بالتأكيد لا.
وهذه من أكثر النقاط التي يساء فهمها.
الإحصائيات لا تستطيع وحدها شرح كل شيء.
قد تخبرك الأرقام أن فريقًا صنع 2.4 xG، لكنها لا تخبرك دائمًا لماذا حدث ذلك.
هنا يأتي دور مشاهدة المباراة.
المحلل الجيد يجمع بين:
العين
لمشاهدة التحركات والتفاصيل التكتيكية.
البيانات
لقياس النتائج والأنماط.
الفيديو
للعودة إلى اللقطات وتحليلها بالتفصيل.
السياق
لفهم ظروف المباراة والمنافس والنتيجة وحالة الفريق.
وبذلك تصبح الإحصائيات أداة مساعدة وليست بديلًا عن التحليل البشري.
xG والذكاء الاصطناعي ومستقبل تحليل كرة القدم
مع تطور تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن دراسة كميات ضخمة من المعلومات المتعلقة بالمباريات.
لم يعد التحليل يقتصر على:
التسديدات والأهداف والاستحواذ.
بل يمكن دراسة:
مواقع اللاعبين.
سرعة تحركاتهم.
المساحات.
الضغط.
التمريرات.
التحولات.
جودة الفرص.
تحركات اللاعبين دون كرة.
وهذا يعني أن مستقبل تحليل كرة القدم سيكون أكثر اعتمادًا على دمج البيانات مع الفيديو والتحليل التكتيكي.
هل يمكن أن يحل xG محل النتيجة؟
لا.
النتيجة هي الحقيقة النهائية للمباراة.
إذا انتهت المباراة 1-0، فالفائز حصل على النقاط بغض النظر عن xG.
لكن xG يمكن أن يخبرنا بقصة أخرى:
كيف وصل الفريق إلى هذه النتيجة؟
وهذا الفرق هو جوهر الإحصائيات المتقدمة.
فالنتيجة تخبرنا ماذا حدث.
بينما تساعدنا الإحصائيات مثل xG على فهم كيف ولماذا حدث.
الخلاصة: كرة القدم أصبحت تُقرأ بالأرقام أيضًا
Expected Goals - xG لم يغير كرة القدم نفسها، لكنه غيّر الطريقة التي نفهم بها كرة القدم.
أصبح من الممكن تقييم جودة الفرص بدلًا من عدّ التسديدات فقط، ودراسة أداء المهاجمين بعيدًا عن عدد أهدافهم، وتحليل قوة الفرق هجوميًا ودفاعيًا بطريقة أكثر عمقًا.
لكن أفضل استخدام لـ xG لا يكون في التعامل معه كحقيقة مطلقة.
بل باعتباره جزءًا من الصورة الكبيرة.
فالكرة لا تزال تُلعب على أرض الملعب، والقرارات والمهارات والتكتيك والضغط والحظ كلها عوامل تؤثر في النتيجة.
ولهذا فإن مستقبل التحليل لن يكون:
الأرقام ضد العين.
بل سيكون:
الأرقام + العين + الفيديو + التكتيك.
وهنا تكمن الثورة الحقيقية في الإحصائيات المتقدمة.
لم تعد كرة القدم مجرد مباراة نشاهدها ونحكم عليها بالنتيجة.
أصبحت أيضًا مجموعة ضخمة من البيانات يمكن استخدامها لفهم كل فرصة، وكل تسديدة، وكل تحرك، وكل قرار.
وهكذا أصبحت لغة كرة القدم الحديثة لا تتحدث عن الأهداف فقط، بل عن احتمال تسجيلها أيضًا.